الشهيد الثاني
821
رسائل الشهيد الثاني ( ط . ج )
والآفاتِ المُفْسِدةِ إلى تمام زرعه وبلوغ غايته ، كان ذلك رجاءً في موضعه ، واستحقّ اسم الرجاء إذا كان في مَظِنّتِه أنْ يَفوزَ بمقاصده مِن ذلك الزرع . ومَن بَذَرَ في أرضٍ كذلك ، إلا أنّه بَذَرَ في آخر الوقت ، ولم يُبادر إليه في وقته ، أو قصّر في بعض أسبابه ، ثمّ أخَذَ ينتظِرُ ثمرةَ ذلك الزرعِ ، ويرجو سلامَتَه ، فهو في جملة الراجِينَ أيضاً ، ولكنّه لا يَصِلُ إلى مقدار محصول الأوّل . ومَنْ لم يَحْصُلْ على بذرٍ صالحٍ ، أو بَذَرَ في أرضٍ سَبْخَةٍ أو ذاتِ شاغلٍ عن الإنبات ، ثمّ أخَذَ ينتظر الحَصادَ فذلك الانتظار حُمق ، والرجاء كاذب ، فهكذا حال العبد إنْ بَذَرَ المعارفَ والأعمالَ الصالحةَ في أرضِ نفسه في وقته وهو مقبل « 1 » العمر ، وداوَمَ على سَقيِه بالطاعات ، واجتَهَدَ في طهارة نفسه عن شَوك الأخلاق الرديئة التي تَمنعُ نَماءَ ما زرع ، وانتظر من فضل الله تعالى أنْ يُنْبِتَه على ذلك إلى زمان وصوله وحَصاد عمله ، فذلك الانتظار هو الرجاء المحمود ، وهو درجة السابِقِينَ . وإنْ ألقى في نفسه لكنّه قصّر في بعض أسبابه ، إمّا بتقصيره في تنقية البذر ، أو في السقي ، أو غير ذلك ممّا يوجب ضعفه ، ثمّ أخذ ينتظر وقت الحَصاد ، ويتوقّعُ مِن فضلِ الله أن يبارك له فيه ، ويعتمد على أنّه الرزّاق ذو القوّة المتين ، فيصدُقُ عليه أيضاً أنّه راجٍ ، ولكن مرتبته بعيدة عن مرتبة الأوّل ، ورجاؤه أضعفُ . وإذا لم يزرع في نفسه أصلاً ، أو زَرَعَ ولم يَسْقِه بماء الطاعةِ ، أو ترك نفسه
--> « 1 » كذا في المخطوطات ، والصواب : « في مقتبل » .